علم الدين السخاوي

721

جمال القرّاء وكمال الإقراء

قالوا : هذه الآية التي نسخت مائة وأربعا وعشرين آية « 1 » ، نسخت بقوله عزّ وجلّ في آخرها « 2 » : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ « 3 » . ولا يقول مثل هذا ذو علم ، إنما هو « 4 » خبط جاهل في كتاب اللّه ، إنما قال عزّ وجلّ : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ما قال : اقتلوا المسلمين . وقال الحسن ، والضحاك ، والسدي ، وعطاء : هي منسوخة من وجه آخر ، وذلك أنها اقتضت قتل المشركين على كل حال ، فنسخت بقوله عزّ وجلّ : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً « 5 » ، فلا يحل قتل أسير صبرا « 6 » . وقال قتادة ، ومجاهد : بل هي ناسخة لقوله عزّ وجلّ : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً ، فلا يجوز في أسرى المشركين إلّا القتل دون المن والفداء « 7 » .

--> ( 1 ) قال ابن الجوزي : « وقد ذكر بعض من لا فهم له من ناقلي التفسير أن هذه الآية - وهي آية السيف - نسخت من القرآن مائة وأربعا وعشرين آية ثم صار آخرها ناسخا لأولها ، وهو قوله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ . وهذا سوء فهم ، لأن المعنى : اقتلوهم وأسروهم ، إلا أن يتوبوا من شركهم ، ويقروا بالصلاة والزكاة فخلّوا سبيلهم ولا تقتلوهم » أ . ه ص 360 . قلت : وقد تقدم كلام السخاوي ورده على من قال : أن آية السيف نسخت أربعا وعشرين ومائتي آية ؛ وشنع على القائلين بذلك ، وذلك في آخر سورة الأنعام . ص 705 . ( 2 ) أي في آخر آية السيف السالفة الذكر . ( 3 ) حكى دعوى النسخ هنا ابن حزم ص 40 ، وابن سلامة ص 184 ، قال مكي - بعد أن حكى القول بالنسخ عن ابن حبيب الذي قال : أن الآية منسوخة ، مستثنى منها بقوله فَإِنْ تابُوا . . . - قال : « ولا يجوز في هذا نسخ ، لأنها أحكام لأصناف من الكفار ، حكم اللّه على قوم بالقتل إذا أقاموا على كفرهم ، وحكم لقوم بأنهم إذا آمنوا وتابوا أن لا يعرض لهم ، وأخبر بالرحمة والمغفرة لهم ، وحكم لمن استجار بالنبي - عليه السلام - وأتاه أن يجيره ويبلغه إلى موضع يأمن فيه ، فلا استثناء في هذا ، إذ لا حرف فيه للاستثناء ، ولا نسخ فيه ، إنما كل آية في حكم منفرد ، وفي صنف غير الصنف الآخر ، فذكر النسخ في هذا وهم ، وغلط ظاهر ، وعلينا أن نبيّن الحق والصواب » أ . ه الإيضاح ص 311 . ( 4 ) ( هو ) : ساقط من ظ . ( 5 ) سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم 4 . ( 6 ) انظر : الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 197 ، والإيضاح ص 309 ، ونواسخ القرآن ص 359 ، وتفسير القرطبي 8 / 73 . وسيأتي قريبا - ان شاء اللّه - أن هذا القول مرجوح وأن الآيتين محكمتان . ( 7 ) ذكر هذا القول النحاس في المصدر السابق ص 198 ، دون أن يعزوه لأحد ، وذكره مكي معزوا إلى قتادة ، ومجاهد . الايضاح ص 309 . وكذلك ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 360 ، والقرطبي 8 / 73 .